عبد الملك الجويني
217
الشامل في أصول الدين
والذي يقرر ما قلناه ، وهو الذي يقطع تشغيب المعترضين ، أن نقول : لو جاز تقدير حد على الوجوب ، لجاز لمن يقول بالدهر أن يقول : الفلك مختص بحد لا يجوز تقدير المزيد عليه والنقصان عنه ، وحده واجب لا يعارضه حد مجوز ، فليس قول المشبهة « 1 » بأسعد من ذلك . فلو جاز لهم ادعاء وجوب الحد اختصاصا من غير أن تدل عليه دلالة ، جاز مثل ذلك في بعض أجسام العالم ، وهذا لا مخلص منه . ومما يعضد ما قلناه أن المحدود الشاغل الحيز ليس بعض الأحياز أولى به من بعض . فإن الجهات متماثلة لا ريب فيها ، وليس الاختصاص ببعضها أحرى من الاختصاص بسائرها . ولو جحد جاحد تماثل الحدود في الجواز لم يمكنه جحد تماثل الجهات . وسنبسط ذلك في مسألة الجهة ، إن شاء اللّه عز وجل . واعلموا أن ما يدل على نفي المحاذيات ، والتمكن من الأماكن ، والاختصاص بالجهات فهو دليل في مسألة الجسم . وستأتي أدلة هذه المسائل ، إن شاء اللّه تعالى . واستدل شيخنا في نفي التجسيم بأن قال : لو كان القديم جسما ، لاستحال وقوع مقدوره إلا في محل قدرته ، ولامتنع منه خلق الأجسام . وهذه الدلالة تستند إلى أصل يقرره في خلق الأعمال ، وهو أن : الجسم يستحيل أن يخلق جسما . والأولى بالمحقق أن يعول في نفي التجسيم على الدلالة الأولى فهي العمدة وعليها المعول . ويظهر أيضا الاستدلال على من جوّز على القديم التحول والزوال ، ولكن تلك الدلالة لا تختص بنفي التجسيم على التمحيص ، بل تتعلق بنفي الانتقالات والتحولات . وأما الاستدلال بأنه ليس بعض الحدود أولى من بعض ، فسديد . ولكن يرد عليه سؤال واحد وهو : أن علم القديم تعلق في أزله ببعض المعلومات على تقدير حدوثها ووقوعها ، وكان يجوز تقدير تعلق العلم بأمثالها ابدالا عنها ، ثم لم يفتقر العلم في تعلقه ببعض المعلومات على صفاتها إلى مخصص ، وكذلك يقدح في الدلالة إثباتنا الصفات السمعية التي لا تدل عليها قضية عقل . فإن قال قائل : إذا أثبتم يدين ، وتقدير أربعة من الأيدي كتقدير اليدين ، ولا يخصص العقل ببعض ذلك بإيجاب ، ثم لا تستبعدوا ما قلتموه . ومما يقدح في الدلالة أن أقصى ما نتمسك به أن الدلالة لم تخصص حدا .
--> ( 1 ) انظر الملل والنحل للشهرستاني ص 83 .